الجمعية الخيرية الإسلامية بالحدادين
0020105527028

الجمعية الخيرية الإسلامية بالحدادين

إجتماعى ثقافى
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  الأمن الغذائي بين التقدير العلمي والتدقيق القرآني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abdou
عضو نشيط
عضو نشيط


عدد المساهمات : 69
تاريخ التسجيل : 28/03/2010
العمر : 63
الموقع : oujda

مُساهمةموضوع: الأمن الغذائي بين التقدير العلمي والتدقيق القرآني   الأحد نوفمبر 21, 2010 10:30 am

مع ظهور الثورة العلمية ومع تحرر العلماء صار البحث العلمي نحو التقدم. وبدأ الغرور ينتاب الإنسان ومع تيسير أسباب الحياة انخرط الناس في نمط جديد من الحياة التي سميت باللادينية أو اللائكية وابتعدوا عن الدين، ومع ترك العقيدة ونهج اللادينية أصبحت المادية والشهواتية هي السائدة، ومع اتباع أو تبني المذهب المادي، تنكر الناس للعقيدة ،بل أكثر من ذلك أصبح الهجوم عليها ونعتها بالتخلف، وليست العقيدة بوجه عام وإنما العقيدة الإسلامية على الخصوص. ورغم هذا التقدم التكنولوجي كما أشرنا لذلك، والرفاهية التي أصبح الناس يعيشون فيها، والبدخ وما إلى ذلك من كل احتياجات الناس الشهواتية لم تكتمل سعادتهم، بل زاد شقاؤهم وكثرت تعاستهم. وظل الإنسان يبحث عن حقيقته وهويته وكنهه، ولم يجد شيئا يملأ هذا الفراغ الحاصل من جراء التجرد من العقيدة. وكل هذه الأشياء ضاعت في خضم التقدم العلمي والتطور التكنولوجي، وليست الحضارة كما يزعم الناس لأن التقدم الذي لا يضمن السعادة لا يمكن أن نسميه حضارة.
و نرى في عصر العلم ،والتقدم التكنولوجي، أن الإنسان لا يزال تائها جاهلا بما يجب معرفته قبل تطبيقه، وقد نال المد الصليبي أثناء غزوه للبلاد الإسلامية من فكرنا وهويتنا وعقيدتنا، وتمكن من فرض سيطرته التعليمية والإعلامية على هذه الشعوب، لمسخ لغتها وهويتها الإسلامية الطاهرة. وهكذا نجد أن الذين ذهبوا إلى الغرب )أوروبا وأمريكا (بدون عقيدة صحيحة لا يرجعون إلى بلدانهم، وإن رجعوا فببذلة الغرب الفكرية ، لأنهم تأثروا بدون أن يشعروا، وهذا الصعق الفكري الذي يتعرض له الذين يتعلمون في الدول الغربية لا يمكن أن ينال من الذين يتسلحون بالعقيدة، والبقاء في البلدان الغربية لهؤلاء أو العودة إليها يصبح حلما، لأن المحيط الذي سيعملون فيه في بلدانهم ليس هو الذي تعلموا فيه، ويساعد فراغهم الروحي على تبعيتهم وتخديرهم. والغريب في الأمر أن هذا النمط أصبح شائعا وكثيرا، وأصبح يشغل المناصب الهامة، ويشرف على اتخاذ القرار في كثير من البلدان العربية. وكثير من الذين تعرضوا لهذا الصعق الفكري، تربت لديهم الجرأة النكراء على الله سبحانه وتعالى. وترسخ لديهم جهل فيما بعد نظرا لانقطاعهم عن البحث العلمي والمناظرات العلمية التي تقل في البلدان العربية. وهذا الوضع يتبعه جهل لدى هذه الفئة ثم بعد هذا الجهل تتربى لديهم عقدة عميقة وخطيرة تقودهم إلى كراهية حضارتهم والتنكر لها وضربها، وجل من يرى أن الإسلام غير قادر على مسايرة ومواكبة العصر من هذه الفئة. وبما أن هذه الفئة لا تعتنق أية ديانة فهي تسقط تلقائيا في أحضان القومية، وتصبح هذه الديانة الجديدة التي ليس لها نبي ولا رسول تستقطب كثيرا من أصحاب الشواهد العليا، والقومية لا تنبني على أسس وإنما على أوهام. فالقومية تتوهم أن ليس للإسلام نظام اقتصادي معين يمكن اتباعه، والحقيقة هي أن البرامج الاقتصادية الحالية الموضوعة بعلم البشر كلها خاطئة، ولا تقدر على تدبير الشأن الاقتصادي، وليس هناك من لا يعترف بهذا العجز، ومع ذلك لا يقبل الرجوع إلى الاقتصاد الإسلامي بعدما أصبح الحل الوحيد. فالبرامج التي تجعل الحياة مستحيلة بدون قروض ليست برامج بل عار على الأمة. ومع ذلك فأساتذة الكليات لا يزالون يؤطرون لهذا الطرح المتخلف.
والخطأ الحاصل الآن في تدبير الاقتصاد في البلدان العربية خصوصا، هو بسبب تطبيق تقنيات علمانية على مجتمع مسلم. ونرى أن أي تدبير بدون الرجوع إلى النظام الإسلامي لن يكون ناجحا، وكل الدول الإسلامية غنية، ولديها ما يكفيها ويزيد على حاجتها، لكنها الآن تتخبط في مشاكل اقتصادية أكثر من الدول المصنعة. ولكي يكون لنا نظام نتبعه يجب أن نرجع إلى الذي خلق الكون والإنسان، ووضع أنظمة وليس نظاما واحدا. وهذه الأنظمة تعتمد على روح الإيمان والتعايش والإخاء، وتخلو من الحقد والحسد والاعتلاء، وتمنع الظلم والحرام، وتقطع السرقة والاستبداد، وترتكز على العدل في الوقائع، والمساواة بين الأجناس. وهذه الأنظمة لا يمكن أن تطبق في مجتمع لا ديني، لأنها تعتمد على الإيمان، والذي وضع الكون ودقق في خلقه وتنظيمه يعلم النظام الذي يصلح له، ونظم كل شيء، بل ليس على البشر أن يضع نظاما، وإنما عليه أن يعرف كيف ينظم نفسه ليعمل بما أنزل له الخالق فقط. ولذلك يجب أن نفرق بين عالم يمشي وفق الهوى، وعالم يمشي وفق العلم، والله سبحانه وتعالى كرم البشر وفضله على كل ما خلق، ولنرى ماذا يقول صاحب الكون في كتابه العزيز في سورة الإسراء: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا70 ، لو كان لك حيوان في منزلك، لكنت تفكر في أكله ومسكنه وراحته بالليل والنهار قبل نفسك، فكيف بالذي خلق الإنسان؟ فهل يخلقه ولا يرزقه؟ ومن هذا الطرح يظهر منطق الأمن الغذائي.
معطيات حول المحيط
إن النظريات العلمية القائمة حاليا تجمع على أن المجموعات النجمية ومنها المجموعة الشمسية، التي تضم الشمس وتوابعها من الكواكب كالأرض والقمر، كانت سديما، ثم انفصلت أو فتقت وأخذت أشكال الكواكب، التي نعلمها الآن بشكلها الكروي المعهود. وإذا صحت هذه النظريات فإن الأرض والسماوات وباقي المجموعة الشمسية، كانت قطعة واحدة فتفرقت. وتظل هذه الاحتمالات العلمية قيد الصواب والخطأ على حد سواء، لأن إدراك الإنسان لا يصل مكانا ولا زمانا إلى الحقيقة العلمية عبر التجربة أو الكشف. فمكانا لأن الكون لا متناهي، ولا يمكن أن نراقبه من الأرض التي هي نقطة في هذا الكون، وزمانا لأننا لا يمكن أن نفسر الآن ما حدث منذ ملايين السنين.
ولهذا فمنطقيا وعلميا إذا كانت الأرض انفصلت عن السماء داخل المجموعة الشمسية، فإن حرارتها كانت تقدر ب 12000 درجة فارنايت على حد زعم بعض الموسوعات العلمية. وهذه الحرارة المفرطة لا تسمح بوجود مواد عضوية، ولا بوجود أي شكل من الأشكال الكيماوية، ماعدا الغازات أو العناصر الكيماوية الحرة. وإذا كانت المواد العضوية يستحيل وجودها تحت هذه الحرارة فلا يمكن أن نتكلم عن الحياة.
إن الأرض لما فتقت كانت مشتعلة، ولكي تكون عليها حياة كان يجب عليها أن تبرد أولا، ثم تلعب عملية المياه على سطحها دور مصدر الحياة، أو وجود كل الأحياء التي نعلمها الآن. ونعلم أن عملية التبريد ترتبط بالخصائص االفزيائية للسائل المبرد، ذلك أن الهواء لا يبرد بسرعة بالمقارنة مع الماء، لأنه لا يمتص الحرارة أما الماء فيمتص الحرارة بقوة ويبرد الأشياء الساخنة أو المشتعلة بسرعة. ونعلم كذلك من الناحية الكيماوية أن الماء يمثل جزيئة تتكون من ذرتي هايدروجين مرتبطتين مع ذرة أوكسايجن، وتتحد ذرتي الهايدروجن مع ذرة الأوكسايجن تحت درجة حرارية تفوق 3618 درجة فارنايت، وكل هذه الشروط كانت متوفرة ليتكون الماء في الفضاء، لأن كل العناصر كانت على شكل غازات، وكانت موجودة بكثرة، فاتحدت ذرات الهايدروجين مع ذرات الأوكسايجن فتكون الماء بكثرة وبكمية هائلة، حيث نشأت المحيطات الفضائية، لتبرد الأرض إلى حد يسمح بوجود الماء السائل على سطحها، فتستقر آنذاك المحيطات كما نعهدها الآن.
بعد هذا حدث حسب الوصف العلمي أن أخذت الأرض تبرد تدريجيا، حيث استغرقت العملية مليارين من السنين، وقد قدر العلماء هذه المدة بطريقة التحليل الإشعاعي للعناصر المشعة لدراسة تاريخ أو عمر الأرض، ثم بعدما بردت الأرض، انخفضت الحرارة إلى مستوى يسمح بوجود المواد العضوية أو الحية. ولكي تبرد الأرض وتتشقق الصخور وهي من الغرانيت والبزالت الخ، لتصبح تربة قابلة وصالحة للنبات، كان لابد من نزول الماء على صطحها ليعمل مع الهواء على تحويل الصخور إلى تربة بتفتيتها والتسرب من خلالها. ولم تظهر الحياة بعد على الأرض إلا بعد نزول الماء وجريان التفاعلات الكيماوية القاضية بتحول بعض المركبات الكيماوية المعدنية، لأن المادة العضوية لم تكن خلقت بعد، وحيت تهيأ الوسط وتعدل الجو وتوفر الماء على سطح الأرض، ظهر ما عبر عنه العلماء بالحياة المائية، وذهب بعض العلماء إلى تطابق هذا الطرح مع ما جاء في القرآن بخصوص الماء، لقوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي. إلا أن هذا التفسير يضل ضيقا ومحدودا بالنسبة لما جاءت به الآية الكريمة، التي تخص الحياة بجميع أشكالها، وهو ما يسمو بكثير عن التفسير العلمي البحث.
ونعود إلى الوصف القرآني لنرى الحقيقة من الذي خلق هذا الكون، وهو أعلم بخلقه من البشر، وأغلب ما جاءت به العلوم حول تكون الأرض، ما هو إلا تصور محدود لعقل محدود، ولا يغني التصور من الحق شيئا، بل يمكن أن نستقي الحقيقة من القرآن لنفهم بعلم ويقين.
وفيما يخص تقدير وحساب القوت على الأرض فإن الله سبحانه وتعالى تكفل بذلك ولا يمكن أن نتصور أن العالم مخلوق عفوا أو صدفة أو بهوى. ولذلك لا يعقل ولا يجوز أن نقيس أشياء لا نتحكم فيها بمقياس بشري محدود. وهناك طروحات كثيرة تتكرر وتتردد كل يوم وكل سنة، وفي جميع المحافل الدولية، وفي كل المنتديات الفكرية، وتزعم هذه الطروحات كلها بأن الأرض لن تكفي البشر إذا بقي النمو على ما هو عليه، ونعتبر هذه الطروحات رعبا فكريا وسياسيا لا يرتكز على أساس علمي، ويجب أن تصحح هذه الخزعبلات أو يتحمل أصحابها المسؤولية التاريخية. لقد بدأ تأطير مشكل ما يسمى بالانفجار الدمغرافي مع طوماس روابرت مالتيوس Thomas Robert Maltheus والذي كان قديسا يعمل في مصلحة شركة الهند الشرقية الأنجليزية British East India Campany 1766 – 1834 وقد عرض مالتيوس المسألة من خلال كتابه تجارب على السكان وهو كتاب لم يعرف انتشارا في الأسواق The essay on population والذي صدر في 1798 أن زيادة السكان ستتجاوز كمية الأغذية التي يمكن أن تنتجها الأرض. وفي نظر مالتيوس فإن السكان يزدادون حسب متتالية هندسية بينما يتزايد القوت حسب متتالية جبرية. وبهذا لن يكفي القوت البشر بعد جيلين فقط، وهو ما عبر عنه بالمشكل السكاني. وطبعا فإن هذه النظرية التي أخذها الناس وكأنها نزلت من السماء نظرية خاطئة رياضيا ومن جميع النواحي، وعلى الباحثين المسلمين أن لا ينزلقوا مع مثل هذه الأكاذيب. وكل النظريات البشرية تظل ناقصة وخاطئة لكنها تستقطب كثيرا من الجهلاء، وعلى نفس النمط استهوت نظرية الداروينية كثيرا من الناس، ولا تزال تستهوي كثيرا من الناس. وهناك بعض الحقائق العلمية التي لا يمكن أن ينكرها أحد، وإذا تصفحنا المعطيات الرسمية والمنشورة، نجد أن تزايد السكان في تراجع واضح، فسكان افريقيا حاليا هم أقل عددا من ذي قبل، والإحصائيات تبين أن عدد سكان العالم تضاعف من 1950 إلى 2000 بينما ازداد الإنتاج بثلاثة أضعاف في نفس الفترة. ولا تزال التقنيات تحسن من الإنتاج، من حيث أن الإسقاطات الإحصائيات تبين، أن الإنتاج الحالي يمكن أن يطعم 10 بليون من السكان، وهو ضعف سكان الأرض حاليا، ولن يصل العدد إلى 10 بليون نسمة، لأن ظهور الأمراض في سن مبكر نتيجة التحول الاجتماعي مع انخفاض في نسبة الولادات، قد يخفض معدل النمو إلى حد خطير ربما يصل إلى أعداد سلبية، بمعنى أن العنصر البشري سينقرض. وهذه الأشياء ليست في حسبان الذين لا يحللون الموضوع من الناحية الاجتماعية. وهناك تقديرات أخرى تبين أن الكون يتسع لثلاثة وثلاثين بليون نسمة، وهو عدد خيالي بالمقارنة مع كل التداعيات والمزاعم التي تحاول إرهاب الناس إرهابا فكريا كما تقدم.
ولنرى التقدير الصحيح الذي يجب أن نتشبت به، إذا كنا نؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو الطرح الذي لا يمكن أن نناقشه لأنه من صاحب الكون، ومن الذي قدر كل شيء تقديرا صحيحا مدققا. يقول تعالى في سورة فصلت: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ونرى على عكس ما يرى دوي التقدير العلمي المحض في الميدان الاقتصادي، أن الأرض جد كافية وتتسع لكل خلق الله مطلقا، ولو أن الدراسات الدمغرافية تحاول أن توسوس للناس أن تكاثر السكان سوف يؤدي إلى عدم الاكتفاء الغذائي، وهو شيء يتنافى مع الآية الكريمة التي تخبر أن تقدير القوت لكل الخلائق، قد تم قبل خلق الإنسان، ولا يمكن أن نخطئ الفهم بأن الله قدر في الأرض أقواتها وبارك فيها.
ونتبع السياق القرآني لبيان الأحداث، وكيف وصف الله خلق هذا الكون، الذي جعله يمشي طبقا للناموس الذي رسمه له، وأراده أن يمشي عليه. إننا أمام أمر لا يمكن أن ندركه بالعلوم الحسية التي هي علوم جزئية، وهذا الأمر لا يستطيع عقل الإنسان أن يدركه لتباعده ولضخامته ولتعقيده وشموليته، وهذه الآيات فيها خطاب كبير وعميق حقا، يجعل كل أصناف الناس تقف في حيرة كبيرة تجاه الوصف الإلهي، لكن هناك العالم الذي يحس بالحقيقة، والمؤمن الذي يسلم بالحقيقة، وبعد هذا المدخل نرجع إلى الرحمة القرآنية.
تبدأ الآية بالاستفهام بهمزتين وهو استفهام للتوبيخ والاستنكار لأمر يقره المخاطب، وهو كفرهم بالذي خلق الأرض، ومن يقدر على هذا الخلق غير الله. وعطف في نفس الجملة تجعلون له أندادا على تكفرون، وهو الأمر الذي يتجانس مع الكفر، فجاء التوكيد باللام لتكفرون بالذي خلق الأرض، وعطف على تجعلون له أندادا أي الشركاء لله، وكون الله ينفرد بفعل الخلق، فلا يمكن أن يكون له شركاء أو أمثال، ولذلك أشار الله في الآية بذلك ذلك رب العالمين للتعظيم والتفخيم، وليس خلق الأرض بالسهل، أو بالأمر الذي يمكن تصوره. تم خلق الأرض في يومين، وهذا التقدير الزمني لا يمكن أن يقاس بالأيام التي نعلم، وهي 24 ساعة زمنية بوقت الأرض، وإنما يومين من أيام الله، لأن الأيام التي نعد بها تقاس نسبيا على دورة كاملة للأرض حول نفسها. وحسب طول قطر الأرض والسرعة التي تدور بها، فإن اليوم يبقى 24 ساعة، لكن هذا التقدير ليس هو التقدير لليومين الذين خلق فيهما الله الأرض، لأن القياس الزمني لا يمكن أن يكون على شيء لم يخلق بعد، وربما تكون أيام تم قياسها على كواكب أخرى، لأن لكل كوكب توقيت، إذا كان يبدأ من ظهور الشمس إلى غروبها، وهي غير أيام الأرض، وهي أقصر من أيام الأرض إذا كان قطر الكوكب أصغر من قطر الأرض، وأطول من أيام الأرض إذا كان القطر أطول من قطر الأرض، ويأتي السياق القرآني ليخبرنا كيف هيأ الله هذه الأرض من دون الكواكب لتكون فيها الحياة، فالآية الموالية تبدأ بفعل جعل، وليس خلق لأن فعل خلق يبين ظهور الشيء وإيجاده ماديا وحسيا، أما جعل فتعني خلق وتهيئ الشيء وتوظيفه لما ينتظره من عمل، وبدأ الحق سبحانه هذا التهيئ بجعل الرواسي، ليثبت الأرض ويحفظ لها التوازن والدوران بنظام مدقق في مدارها، وهذه الرواسي جعلت من فوق، لأن الأرض كروية الشكل، وليست مسطحة ليكون لها فوق وتحت، والشكل الكروي ليس له تحت، وإنما له داخل وخارج، وكون الأرض تدور في الفضاء، فإن الرواسي كيفما وضعت تكون من فوق، لأنها لو وضعت من تحت تكون بالداخل. ونعود إلى الوصف القرآني لنعطي للكلمة القرآنية حجمها، لأنها ليست أي كلمة، وإنما كلمة الله التي لها دلالات متعددة، يقول سبحانه وتعالى :وجعل فيها رواسي من فوقها. لقد بين الله الكيفية التي جعلت بها الرواسي بحرف الجر "فيها" وبظرف المكان "فوقها" وهذا الوصف فيه دقة كبيرة لأن التعبير الإلهي لم يتوقف على جعل الرواسي، وإنما بين كيف جعلت، والرواسي لا تكون إلا للأشياء الغير الثابتة أو المحتملة للحركة والانقلاب، ويعبر بفعل رسا على الهدوء والاستقرار والثبات، وطبعا فإن إرساء وتثبيت شيء يستعمل دائما خاصية التوازن، ويتبع هذا الحدث قانون الثقل النوعي والجاذبية، ولذلك نضع أشياء ثقيلة لنثبت الأشياء الخفيفة، لأن الثقل يزداد ويجعل قوة الجاذبية كبيرة فيستقر الشيء ويثبت، والرواسي في هذه الآية هي الجبال، وهذه الجبال تثبت الأرض لكي لا تفقد توازنها، ويستمر دورانها بنظام، ويبقى التوقيت مستقرا وثابتا. والرواسي التي ثبت بها الله الأرض، جعلها تدخل في الأرض إلى عمق كبير أو صغير، حسب سطح الأرض وباطنها، وحسب بعدها من المنطقة المائية أو البرية، فهي جعلت في الأرض أي نابتة، ومن فوق الأرض أي ليست بنافدة إلى وسط الأرض، وإنما تبقى خارجة من الأرض كما نراها، وقد علل الله كذلك هذا الخلق في سورة النبأ بقوله تعالى والجبال أوتادا فالجبل يظهر في الرسم البياني كالوتد، من حيث يكون له جدر يدخل في الأرض، ورأس يبقى شامخا في السماء. بعد تثبيت الأرض، تم تقدير القوت كما جاء في الآية "وقدر فيها أقواتها" والأقوات هنا تعني كل ما تحتاجه الكائنات الحية لضمان الحياة على الأرض من هواء وماء وأكل، وكل العناصر التي تدخل في الدورة الطبيعية للحياة بصفة عامة، وكل مادة يقتات عليها كائن حي من نبات وحيوان وأجسام حية دقيقة، وتم ذلك في يومين لتكتمل أربعة أيام، كما جاء في الآية الكريمة "في أربعة أيام سواء للسائلين وسواء تعني أن خلق الأرض وتهييئها تم في نفس الفترة الزمنية، وهي يومين لكل مرحلة، وبعد هذا الخلق والتهيء تم خلق السماء.
وهناك لمسة روحية في هذه الآية وهي ذكر البركة قبل التقدير "وبارك فيها وقدر فيها أقواتها" وربما تكون البركة أهم بكثير من التقدير، لأن هناك جانب مادي محض، وهو تقدير كل ما يحتاج إليه الكائن الحي على الأرض لتستمر الحياة، وهناك جانب روحي غيبي وهو البركة، والتي بها يمكن أن تبقى الأرض كافية لكل من يعيش عليها، ويتجلى هذا في زيادة الإنتاج كلما زادت الكائنات الحية، وعلماء الزراعة أعلم بهذا الأمر، إذ تنتقل المردودية في بعض الأحيان من بضع قناطر في الهكتار إلى 120 قنطارا في الهكتار، ومن يدري فربما تزداد المردودية.
العنصر البشري والنمو الدمغرافي
لما يتكلم أي شخص عن النمو الدمغرافي، لا بد أن يحذر من كثرة السكان والنمو المتزايد للسكان، ولا بد أن يتكلم بالأسود عن النمو الدمغرافي، والغريب في الأمر أن البلدان العربية التي من المفروض أن تنكر هذا الطرح، وأن تبين الحقيقة للناس نجدها تتكلم بنفس المفهوم، وتنزلق وراء تداعيات التهديد بالمجاعة إذا بقي النمو الدمغرافي على حاله. والحقيقة أن النمو الدمغرافي ينقص بشكل ملفت للنظر، حتى أن بعض الدول أصبحت تشجع على الولادات والزواج من الأجانب، بدل الدعوة إلى تحديد النسل، أو بلغة الحضارة تنظيم النسل. ويظهر هذا الوضع جليا في دول المعسكر الشرقي بلغاريا ورومانيا وهنغاريا وروسيا البيضاء، وقد انحدر النمو الدمغرافي إلى الصفر، وانحدر معدل النمو بأفريقيا كذلك بشكل ملحوظ. ولا نظن أن العالم سيبقى في نمو كما قد يتصور الكثير من الناس، وإنما العكس هو الصحيح، فالعقم في الرجال والنساء سيزداد إلى أن يصل إلى الحد المفزع، ونهاية العالم لن تكون بالمجاعة لكنها ستكون بعدم القدرة على الإنجاب عند الرجال والنساء على حد سواء، أو ما يسمى في علم الأحياء بالإنقراض، ولن ينفع آنذاك العلم ولو عن طريق الاستنساخ. ولننظر ما جاء في كتاب الله العزيز الحكيم بشأن التخوف من النمو الدمغرافي. يقول تعالى في سورة الأنعام. قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. تبين هذه الآية الحد الذي يمكن أن يؤدي إليه الجوع، ويتجلى في القتل الذي يعتبر من أعظم جرائم البشر عند الله سبحانه وتعالى، فليس هناك أشد من القتل ظلما، ويجب أن نقترب من الآية، لنجد أن الله سبحانه وتعالى ينهى عن قتل من نوع خاص، ليس من السهل على الإنسان أن يرتكبه، إلا أن يكون كافرا ظالما ضالا مجرما، لأن قتل القريب وهو الولد ليس من الهين. لكن الجوع يجعل الإنسان لا يفكر في أحد، ولو كان ولده، فيسهل القتل حينئذ، ولا يقتصر هذا النوع من القتل على فترة من الزمن، بل يمكن أن يقع في أي عصر، ولو أن كتب التفسير تطالعنا بأن هذا القتل كان شائعا في الجاهلية، والذي أرجعه أصحاب التفسير إلى الوأد، إلا أن الوأد لا يكون بسبب الجوع، وإنما يكون خوفا من العار كما كان يزعم، وليس قتل الجاهلية هو الذي يهمنا وإنما القتل الذي يقع في كل حين وكل عصر، ومجيء الخطاب الرباني نهيا بالأمر فهو يهم شيئا لم ينقرض بعد، وإنما لازال ساريا ويحتمل وقوعه في أي زمان وفي أي مكان.
إن أهم ما يمكن أن ننتبه إليه هو سبب هذا القتل الذي يتمثل في الجوع، وفي الآية الكريمة يعبر الجليل جل جلاله بالإملاق، وليس الجوع وهناك تعابير دقيقة تأتي لوصف مشهد دقيق، لأن من جملة التعابير عن الحاجة الماسة والفاقة، نجد المخمصة والجوع والعيلة والخصاصة وما إلى ذلك، لكن التعبير بالإملاق يراد به أكثر من ذلك، لأن جسامة الذنب، يجب أن يكون لها دافع قوي ومميز عن جميع أشكال الضلال، ولا بد أن هناك شيء قوي يستلزم حكمة التعبير بهذه الكلمة، ولم نجد مبررا في كل التفاسير التي جاءت في كتب التفسير، إلا الاتفاق على أن الإملاق هو الفقر، ولو أن الكلمة معروفة بهذا المعنى السطحي، فإننا ندعو إلى تعريف علمي يعطي للكلمة عظمتها، من حيث التدقيق في التعبير بها تماما كما أراد الجليل جل جلاله، ليس الفقر وحده الذي يقود إلى القتل، وإنما هناك دافع أقوى من الفقر، والذي يجب أن يكون أخلاقيا أو معنويا، لأن الحاجة العضوية تبقى ضعيفة بالنسبة للحاجة النفسية أو المعنوية. وللنظر إلى أول قتل وقع في تاريخ البشرية، وقد وقع لسبب معنوي وليس مادي، ذلك أن ابني آدم عليه السلام قربا قربانا، وتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فكان الدافع معنويا وليس ماديا وكان بتلقائية سريعة في القرار، ولما أراد إخوة يوسف أن يقتلوه، كان الدافع معنويا كذلك ولم يكن ماديا، ولذلك لم نقتنع بالتفسير الذي جاء في الكتب، ولابد أن هناك شيء يريده الله سبحانه وتعالى من هذه الكلمة، لنتجنب بعض أنواع القتل التي ربما لا نشعر بها، والتي قد نبررها، كما كانت تبرر في الجاهلية كما سنتطرق لذلك.
يقول الجليل جل جلاله في سورة الإسراء: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا. فالتعبير في الآية الكريمة جاء بخشية إملاق بينما جاء في الآية السابقة بمن إملاق، والخشية من الشيء تكون قبل وقوعه، فالخشية في الآية الكريمة تعني أن الإملاق لم يحصل بعد، والخشية من الإملاق هنا تعني ضيق العيش من كثرة الأبناء، فهم لم يجوعوا بعد ولكن يخشون الجوع، ولذلك يقتلون الأولاد لينقصوا من العدد حتى يكفي ما لديهم لسد حاجتهم، والتعبير بالأولاد يعني الذكور والإيناث، ولما كان خوف الآباء من الإملاق هو الدافع الرئيسي للقتل سبق الله رزق الأبناء على رزق الآباء، فقال عز وجل: نحن نرزقهم وإياكم. أما التعبير الذي جاء في الآية السابقة، فإن الله سبحانه وتعالى استعمل في نفس الموضوع أداة أخرى، وهي حرف الجر- من- بدل خشية، ليبقي المعنى اللغوي، وفي هذه الآية يقول سبحانه وتعالى ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم فهنا يأتي التعبير بمن من إملاق عوض خشية إملاق، والتعبير بمن إملاق يجعل الجوع حاصلا، ولما لا يطيق الآباء هذا الإملاق فقد يلجؤون إلى قتل الأولاد، فقدم سبحانه رزق الآباء على الأبناء لكي لا يقتلوا الأبناء، وهكذا تظهر الحكمة الربانية في التعبير الدقيق، الذي يجب أن ننتبه إلى حروفه وكلماته لندرك الحقيقة جلية.
ولما ينهى العلي القدير عن القتل بالتوكيد، حيث يقول سبحانه إن قتلهم كان خطئا كبيرا، فهنا تأتي كلمة أخرى تقرب في اللفظ من كلمة معتادة وهي الخطأ، وهذه الكلمة نعهدها لكن ليس المعنى واحد، ولو أراد الله ذلك لعبر بهذه الكلمة. لكن مجيء الكلمة على تلك الحال فيها معنى زائد عن الكلمة المعتادة أي الخطأ بفتح الخاء. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الكلمة، وعرضوا كثيرا في اشتقاقها، دون توضيح الراجح من المعاني، التي أدرجوها في تفسير هذه الكلمة. فلو كانت الكلمة مرادفة لكلمة خطأ بالفتح لجاءت في السورة على تلك الصورة، ونظن أن المعنى دون ذلك، وأن لها معنا يفوق الخطأ تماما كما هو الشأن بالنسبة لكلمة الإملاق.
لابد أن هناك أشياء تخص المجتمع وأخرى تخص الفرد، وليس من السهل أن يلجأ الفرد إلى قتل أولاده خشية الجوع، لكن كون هذا الفرد يوجد في مجتمع، وأن هذا المجتمع لم تعد فيه أرض الله واسعة ليهاجر الناس فيها، وإنما أصبح يضيق بأهله، فإن الأمور تصبح أعرافا من حياتهم اليومية، ولذلك فإن الإملاق يخص المجتمع أكثر ما يخص الفرد، والخطاب الإلهي إنما جاء للمجتمع بالخطاب العام، ولا تقتلوا أولادكم، وسنرى كيف يصبح القتل منظما ومتداولا ومحبدا وبالطريقة التي نهى الله عنها.
وهذه الآية كما يظن بعض العلماء لا تخص عصرا معينا، ولا فترة زمنية في التاريخ، وإنما تخص وتحفظ المجتمع من السقوط في الخطأ على مر العصور، إن الآية الكريمة تخص كل العصور وتنهى عن القتل على مر الزمان، وهذا ما يجعل القرآن غير مخلوق ليبقى حيا حقا. وربما أصبحت هذه الآية تخص العصر الحاضر أكثر من العصور الماضية، أو عصر الجاهلية الذي انقضى ومضى، ولم يعد يهمنا في شيء، لكن ما ينفع الأمة هو الواقع المعاش حاليا، والبيئة التي يعيش فيها الإنسان حاضرا.
وكما قلنا آنفا فإن قتل الأولاد لا يسهل على الفرد، وإنما يسهل على المجتمع، وهذه الآية تعني القتل الحالي الذي تعيشه البشرية دون أن تعي أنه قتل حقا. وأصبح الدافع لهذا القتل هو خشية الإملاق، لكن خشية الإملاق زينت ببعض الافتراءات التي جعلتها مقبولة ومتداولة خصوصا وأنها تأتي من الباب العلمي، وهذه العلوم أصبحت تستعمل لأغراض سياسية، وليس لأغراض بشرية. فلما نتكلم عن تحديد النسل، لا يظن الناس أنه قتل الأولاد الذي جاء في القرآن، وإنما يؤخذ على أساس أنه حقيقة علمية طبية تفيد المجتمع والفرد. ولما انتقد بعض العلماء هذا الشكل من القتل الذي نزلت فيه الآية الكريمة: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، أضفيت إليه تحسينات لغوية فقط، فاستبدلت كلمة تحديد النسل بتنظيم الأسرة، وهذه التسمية الأخيرة أكثر سما وأكثر خرقا وأكثر تضليلا، لأنها تتطرق إلى شيء يجعل الناس حقا يطبقون هذا البرنامج الذي لا يجوز شرعا، ويكون الدافع والمبرر معا خشية الجوع والفاقة، وهو حق يراد به باطل.
ومما يزكي هذه الأقوال المزعومة، الخوف من أن يترك الناس ذرية ضعافا إذا ماتوا في سن مبكرة، وما يخطر على بال هؤلاء، أن هذه الذرية سوف لن تجد ما تأكل، أو أين تسكن، ولعل أن هذا الهاجس هو ما يجعل الناس يضطربون لوفروا لذريتهم شيئا بعد مماتهم، وليس هناك من شغل شاغل إلا هذه الخشية على الذرية، ويؤدي هذا في الأخير إلى جمع المال الحرام، أو إلى الخروج عن العقيدة، ويترتب عن هذا كله فساد كبير، لأن ضعف العقيدة أو انعدامها يجعل الشخص يفلت من الضابط الشرعي، فيرتكب أتاما وجرائم في حق المجتمع، وقهرا في حق الناس وما إلى ذلك، ولجسامة هذه الفتنة يسقط الشخص في حبال المادة، وربما لا يراعي شرع الله سبحانه وتعالى فتصبح السرقة متداولة، والحرام شائعا، والكسب الغير مشروع، ويتجاهل الناس شرع الله في الحرام والحلال، وربما يبحث الناس عن الفتاوى التي تبيح لهم بعض المحرمات.
ولنرجع إلى الله العلي القدير لنرى ماذا يقول في شأن هذه الفتنة الكبيرة، وكيف يشدد الخطاب لننتبه إلى هذه الأشياء كما جاء في سورة النساء حيث يقول الجليل جل جلاله: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا. أوليس هذا هو الشائع في مجتمعنا الحاضر؟ أو ليس هذا هو ما يقوله عامة الناس؟ أوليس من أجل هذا يتسارع الناس في البناء، وتأمين السكن للأطفال حسب زعمهم، وجمع الأموال لهم، وأصبحت المقولة شائعة. وهذا أمر عسير لأن فيه نسيان الله سبحانه وتعالى وهو القائل: ما قدروا الله حق قدره. لأن هذه الذرية ليست متروكة بعد موت الوالد للأم ولا للخال ولا للجد، وإنما هي متروكة لله سبحانه وتعالى ومستودعة الله سبحانه وتعالى.
لما كان عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه على فراش الموت، جاءته ذريته لتوديعه، فدخلوا عليه وهم بضعة عشر طفلا، ويقال أنهم كانوا ستة عشر، فنظر إليهم وقال: والله إني لم أحرمكم من حق كان لكم، ولكن والله لا أعطيكم حقا هو ليس لكم فانصرفوا. هذا قول رجل كان يحكم الدنيا من حضرموت باليمن إلى أقصى شبه الجزيرة الإيبيرية، ولو أراد أن يترك لكل ولد قصورا عالية لفعل، وما أثر ذلك في بيت مال المسلمين، إلا كما تؤثر القطرة في البحر، لكن هذا الرجل كان عارفا بشرع الله، ولا يمكن لمن يحفظ كتاب الله بعلم، ويتتلمذ على رواة الحديث مثل سعيد ابن المسيب ثم يزيغ عن المحجة البيضاء. ليس من السهل أن يملك الإنسان الدنيا، ثم يلبس الصوف زهدا فيها، ولا يأكل إلا كما يأكل الضعيف من الأمة أو أقل، فرحم الله عمر ابن عبد العزيز النمودج الذي بين البرنامج الاقتصادي الإسلامي بحق، وقد فهم هذا الرجل الغاية التي خلق من أجلها الإنسان، وهي العبادة والمآل الذي إليه سيؤول هذا الإنسان، وهو الموت وما بعد الموت من حساب. وفي عهد عمر ابن العزيز، جاء المسلمون بتفاح من بعيد كخراج إلى عاصمة المسلمين، وقد وضعوه في بيت مال المسلمين حتى يوزع على الناس، ولما رجع عمر ابن عبد العزيز إلى بيته المتواضع بين الناس، وليس إلى الفيلا الفاخرة، وجد أحد أولاده يأكل تفاح، فوثب عليه وقبض حنجرته حتى رمى التفاح من فمه، فخرجت زوجته وصاح من أين هذا التفاح ولم نوزع منه شيئا بعد، فقالت زوجته يا أمير المؤمنين، لقد كان معي درهم فأرسلت غلاما ليشتري للطفل تفاحا، فقال الحمد لله وترك الطفل يأكل تفاحته. هكذا يجب أن يكون من يستأمن على مال الناس، أما هؤلاء الذين ينتقدون الإسلام بالبرنامج الإقتصادي والاجتماعي فهذا هو البرنامج، برنامج الأمانة لكي لا تهرب أموال الشعوب إلى الخارج، فينتفع بها الأجانب ويجوع أصحابها. ولا يمكن أن يدرك الإنسان معنى هذه الأشياء، وربما تضحكه لكن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولو كانت الدنيا تستحق شيئا لنال منها سيد البشرية شيئا، لكن لم يفكر ولم يوجه الناس إلى الدنيا. وإنما كان التوجيه دائما إلى الآخرة، والعملة التي كان يتداول بها الناس في زمانه، كانت كلها عملة الآخرة، وهو أجر الله، وكل الأعمال لوجه الله.
الأمن الغذائي
لما يشبع الإنسان من الأكل والشرب، يطمئن ويمرح، لكن حالما يحس بالجوع يأخذ في التفكير في الأكل، وكيف يكسب، ويضل هكذا خائفا من الجوع ولو معه ما يكفيه لمدة قرن. وهذه سنة الحياة لا يأمن الإنسان مكرها، ولن يأمنها أحد، ولو كان له ما يكفيه إلى الأبد يضل يبحث عن المزيد. ونجد أن الأمن يقترن بوجود القوت والأكل والرزق والمتاع وما إلى ذلك، كما جاء في القرآن الكريم لقوله تعالى في سورة قريش: لإيلاف قريش إيلافيهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وقد يصبح هذا الخوف غريزة عند الإنسان، بل عند كل الأحياء التي تقتات، ويتجلى ذلك في الحركة الدائمة والجري وراء الكسب والجمع. وتؤدي هذه الحالة إلى ضيق الوقت، وإلى الفتنة، وتصبح الحياة نمطية إلى حد فقدان معناها كحياة. وقد تنعكس هذه الحالة سلبيا على المجتمع، فيكتر الاحتكار والمضاربة، ويختل التوازن بين الدخل الفردي، لتصبح هناك فوارق اجتماعية شاسعة حيث يزداد الفقر، ويقع سوء التوزيع التلقائي. وكل هذه الأشياء معروفة في المجتمعات الغربية، ولا يختلف اثنان في القول بحدوث مثل هذه الاختلالات الاقتصادية، ولهذا عمد أصحاب القرار إلى الحل البشري، وهو فرض الضرائب والجبايات وجعلها ثقيلة، جدا من حيث لا يمكن للفرد أن يتوفر على أموال كثيرة. ومن هنا يتضح أن نظرية الدخل الفردي، كمؤشر اقتصادي قوي لقياس التنمية والانتاج، لا يعكس الحقيقة، نظرا لعدم معرفة أطراف الموازنة. إن هذا المؤشر قد يكون مرتفعا دون تنمية، وقد يكون مرتفعا ولا يفيد في شيء، لأن الفرد لا يصله هذا الحد الذي يبينه المؤشر. ونقيس على هذه التخمينات البشرية كل التوقعات الاقتصادية التي لا تقدر تقديرا موضوعيا حقيقيا ملموسا، وبطريقة مباشرة وإنما تستنتج من عمليات حسابية، وبطرق غير مباشرة، وهذا ما يجعل كل الأرقام متفاوتة في التوقعات المالية والإنتاجية.
إن الإسلام لا يعترف بهذا الحل الضريبي، لأن المقومات التي يرتكز عليها ليست ثابتة وصائبة. والمنظور الإسلامي للأشياء يراعي للفرد حقه، وللمجتمع حقه، دون أخد غير مشروع ولا فرض أي نوع من القهر على الناس. ولما يكون الحق لله ويسلم عن طيب الخاطر ويصرف على مصالح المجتمع، فإن النظام الضريبي الحديث لا يرقى إلى هذا المستوى، ونلاحظ أن الناس يؤدون الضريبة مكرهين، كما كان في المجتمعات القديمة.
ونجد في آيات عديدة أن الأمن يأتي دائما مقرونا بوجود وتوفر الرزق كما قال تعالى في سورة البقرة: وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير. فهنا يأتي الأمن مقرونا بوجود الخيرات وتوفر الثمرات. ويقول تعالى كذلك في سورة القصص :أولم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء .وهو نفس الاقتران الذي جاء في سورة البقرة، وهو الأمن وتوفر القوت من كل الثمار، وهي الخيرات التي تأتي مباشرة من الطبيعة. ويقرن الله سبحانه وتعالى القوت بالمواد النباتية على الخصوص، لأنها هي الأصل في التغذية. وترتبط تغذية الإنسان والحيوان بالنبات، ونجد أن المواد النباتية جعلها الله للإنسان والحيوان على حد سواء لقوله تعالى في سورة عبس: فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنتبنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم.
أما في وصف الجوع فيقرنه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالخوف كما جاء في سورة البقرة: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا الاقتران يبين كذلك اقتران الخوف بنقص الأموال والثمرات، وهو عكس ما تكلمنا عنه بالنسبة للأمن. والمعنى الذي جاء في القرآن للأمن، يختلف تماما عن المعنى الذي يأخذ به الإنسان في المجتمع المدني الحالي، على اختلاف اختصاصاته السياسية والاقتصادية والدمغرافية والغذائية وما إلى ذلك. فالقرآن يتكلم عن الأمن الغذائي كواقع موجود، وأنه مضمون للإنسان في الأرض، وأن الذي خلق هذا الكون يعلم كل ما يحتاجه، وقادر على تدبيره ولا يمكن للتدبير الإلهي أن تصيبه أزمة سياسية أو اقتصادية، والخطاب الإلهي يكون شاملا بين البشر، ولا يخص جنسا دون جنس أو بلدا دون بلد، وهذا الخطاب ينبني على الأصل الذي هو العقيدة. والعقيدة هي المعاملة الوحيدة التي يمكن للبشر أن يعيش بها عيشة راضية عادلة طيبة، أما الأمن الذي يتكلم عنه بنو الإنسان، فيختلف تمام الاختلاف عن الأمن بالمعنى القرآني. ولذلك فهو غير موجود لأن الإنسان لا يقدر على تدبير نفسه، ولا يحسن التدبير فهو مخلوق، والمخلوق غير منزه عن الخطأ. وقد يصل هذا الخطأ إلى الظلم الاجتماعي والقهر والعبودية.
ويقول الجليل في سورة النحل: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وهو كما رأينا نفس السياق حيث يقرن الله سبحانه وتعالى الأمن بوفرة الخيرات والعيش الرغد، ويقرن الخوف بالجوع وقلة الثمار والخيرات. وما تبينه الآية الكريمة هو العلاقة التي تجعل لإنسان ينتقل من حياة الخيرات والنعم إلى الجوع والذل، وهذه العلاقة هي الكفر بأنعم الله. وهذا الناموس لا يزال يجري على بني البشر على مر العصور. وإذا كنا نؤمن بأن الله الذي يجري الكون كيف يشاء، وهو الذي خلقه وقدر فيه أقواته، وهو الذي يرزق، فسوف يتيسر لنا الفهم أن الأرزاق موكلة لله سبحانه وتعالى. ونرى أن كثيرا من الناس يضلون طول حياتهم في السعي وراء الكسب لكن لا يصيبهم إلا ما كتب الله لهم. وآخرون لا يكدون كثيرا ولا يتعبون لكن أرزاقهم وافرة، وبنفس السياق نذهب إلى أصحاب المشاريع والمنتجين الكبار، وقد يصاب المشروع بالنجاح والكسب السهل والدخل المتجدد، كما قد يصاب بالكساد والإفلاس ولا يعمر طويلا. وهذا ما يدل على أن الأرزاق موكولة لله عز وجل، ويجب مراعاة الشرع في ذلك. لكن الذين لا حظ لهم من الإيمان، يرون أن المشروع خسر لأن المعطيات العلمية والظروف البيئية والاقتصادية، والإقبال على السلع وطريقة التسويق والبيع والإشهار وما إلى ذلك، هي التي جعلت المشروع لا يمشي.
فالمعلوم أن هذا الكون لا يسير تلقاء نفسه، وإنما له خالق مدبر يسيره ويراقبه، وهو قادر عليه ويدقق حركاته، كما أصبحنا نرى ذلك بسهولة في عصر العلم والتقدم التكنولوجي. ومنطقيا لا يمكن للخالق أن يخلق شيئا، ولا يعلم ما هو ولماذا خلقه. والمخترع إذ يبتكر آلة يكون ملما بكل ما من شأنه أن يصيب عملها. وخالق هذا الكون يعلم كنهه وخباياه، وقد قدره تقديرا دقيقا إلى حد لا يتصوره المرء، وإذا دققنا في الموضوع نجد أن الأمن الغذائي ليس إلا شيئا بسيطا في خلق الله. وهذا التنظيم الكوني الذي يذهب من الذرة إلى حيث لا نهاية. لا يمكن للبشر أن يتحكم فيه ولا يمكن له أن يديره بعلمه المحدود. وإنما يجب اتباع الشرع الإلهي والمنهاج الرباني، الذي وضعه الخالق لهذا الكون، وهو أعلم بما فيه، ولا يمكن للإنسان أن يضع شرعا لدوي جنسه مهما بلغت درجته من العلم. وقد مرت البشرية وتمر حاليا بالتجربة النكراء والظلماء بسبب اتباع شرع ونظريات البشر.
يقول الجليل جل جلاله وقدر فيها أقواتها يعني الأرض وهذا القول ليس قول علماء الاقتصاد وإنما هو قول الذي لا يخطأ التقدير، والذي يعلم ماذا خلق وكم خلق. ويقول كذلك وفي السماء رزقكم وما توعدون. فهنا نجد أن التقدير والتدبير والحساب الرياضي للكون، قد تم من لدن الذي خلق الكون سبحانه وتعالى، ولا يمكن لصاحب الكون، أن يخطأ الحساب. وليس قوت البشر لوحده الذي قدره الله بل كل الأقوات. وجعل الأحياء تقتات لحكمة يعلمها ولو شاء لجعلنا نمشي بالطاقة الشمسية، أو لجعلنا نحيى بدون قوت. ويقول سبحانه بشأن الأرزاق: وما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها. ونحن في العلوم الكونية نفرق بين الحيوان والنبات في التغذية، ولايحتاج الأول إلى مادة عضوية أو قوت، بل يكتفي بالماء والطاقة الشمسية، وهو ما نسميه بالكائنات الذاتية التغذية (Autotroph) ويحتاج الحيوان إلى مادة عضوية أو القوت، وهو ما نسميه بالكائنات الغير ذاتية التغذية. (Heterotroph) والتعبير بالدابة في الآية الكريمة له من الإعجاز العلمي ما له، لأن الدابة تطلق على كل حي يتحرك، وهي الأحياء كلها ما دون النبات، لأنه حي لا يتحرك، والذى يفرق الله سبحانه وتعالى بين الحيوان والنبات بهذا التعبير. وهناك حلقة مغلقة ومحكمة تجعل الكون يمشي ككل بتناسق وميزان لا يختل. فالنبات هو الأصل في التغذية، وتتغذى الحيوانات والحشرات والمايكروبات على النبات، ثم تتغذى الحيوانات المفترسة على الحيوانات العاشبة، وتتغذى المايكروبات والمتعضيات كذلك على الحيوانات الميتة، وهكذا ليتم الناموس الكوني بحكمة وتدقيق وميزان.
وإذا نظرنا إلى هذا النظام الدقيق الذي يمشي عليه الكون، وجدنا أن كل المخلوقات التي تدب على الأرض مسخرة للإنسان، بل خلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان وفضله على هذه المخلوقات بالعقل. فما هي مهمته في هذا الكون، هل يسرح ويـأكل كما تأكل الحيوانات، أم هو مخلوق لشيء آخر. ولمعرفة المهمة والحكمة التي خلق من أجلها الإنسان، يجب أن نسأل الذي خلقه وليس الفلاسفة أو العلماء. ففي الرسالة التي أرسلها الله للإنسان عن طريق خاتم الأنبياء والرسل، نجد قوله تعالى في سورة الأنبياء: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. ففي كل الكتب السماوية نجد أن العبادة هي الحكمة التي خلق من أجلها الإنسان، وبما أن الكتب تغيرت واختلطت، واستبد بها أصحابها في العبادات التي سبقت الإسلام، فإن الله شرع للإنسان دينا قويما فيه كل متطلبات ومستلزمات الحياة على مر العصور، وفي جميع الأمكنة والأزمنة، دينا قيما سماه الإسلام، ونفى به كل الديانات التي تغيرت وتحرفت. ونرجع إلى قول الذي خلق الإنسان، ليعرفنا بالحكمة التي خلق من أجلها الإنسان، حيث يقول الجليل جل جلاله في سورة الداريات :وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ويبقى أن نبين أهمية العبادة، ولماذا شرعها الله سبحانه وتعالى، هل تزيد في ملك الله أو تنقص منه، طبعا لا، هل تنفع الله بشيء؟ طبعا لا، إن هذه العبادة لصالح البشر نفسه ،وفيها النظام الإلهي الذي يفوق كل الأنظمة البشرية. هذا النظام الذي يجعل الحياة سهلة مطمئنة عادلة متكاملة، ليس فيها أزمات نفسية أو سياسية أو اقتصادية أو بيئية.
فالتنظيم المدقق للحياة البشرية من لدن الذي خلق الكون وهو أعلم به من الإنسان، يكون في الكتاب والسنة. وهذا التنظيم يجب أن يكون في مستوى الإنسان، الذي فضله الله سبحانه وتعالى بالعقل على سائر المخلوقات. ونصل إلى النهج الحضاري للأشياء، فهل يمكن أن نتصور أن الله الذي خلق هذا الكون بكل عظمته، وجعل له ميزانا دقيقا وقدر فيه كل شيء تقديرا دقيقا، ليس بقادر على أن يخلق لنا ما نقتات به، أو أن النمو الدمغرافي سوف يجعل الأرض غير كافية للبشر. إن من يتصور هذا يبتعد عن الحقيقة مسافة شاسعة تجعله يتيه. وهناك من يقول أن القرآن ليس فيه تنظيم اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، ونحن نقول لهؤلاء هل لهم المستوى الذي يجعلهم يستنبطون الأحكام من القرآن. فبالعقل لا يمكن أن يترك الله سبحانه وتعالى شيئا من أشياء الحياة، وهو يعلم أنه صالح للبشر، وأن هذا البشر سيصل إلى هذا الحد من المعرفة والعلوم الكونية. فكيف إذا ذكرنا هؤلاء بقول الجليل في سورة الأنعام: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون وقوله سبحانه وتعالى في سورة المائدة: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.
إن المشكلة ليست في الحساب، وإنما في العقيدة لأن وجود الإنسان في الكون لحكمة، فإذا ابتعد عنها وقع الخلل، ولذا فإن كل الخيرات موزعة في الكون لتدبر بالعقيدة وبالنظام الإلهي، فإذا تدبرت بنظام بشري، كانت الكارثة لأنه سيكون تدبير من لا يعلم، وتدبير من لا يعلم لابد أن يخطئ، وهذا هو ما حصل للكون. فكل الأخطاء التي وقعت من جراء سوء التدبير، جعلت المشكل يكبر ويتضخم، لينعكس على الإنسان بكل ويلاته ومصائبه. وأدى هذا الوضع إلى ويلات المجاعة من سوء التصرف فيها، وعدم تدبيرها وخراب الصناعات والتسابق نحو الدمار الشامل، وانزواء الإنسان في زاوية الفراغ والتيه والضلال والجهل، حتى أصبح أقل من الحيوان.
إن سبب الحاجة والفاقة والأزمات الاقتصادية المرتبطة بالقوت على الخصوص، لا نرجعها إلى نضوب الموارد وقلة الرزق، وإنما سببها الإنسان نفسه. فبسوء تدبيره وبشاعة تعامله مع البيئة والمحيط جعل الميزان يختل. وكما قلنا فالكون يجب أن يضبط بشرع الله وبالعقيدة. وليس بالحساب الرياضي والسياسة. فبدل التوزيع لخيرات الأرض توزيعا عادلا يكون فيه حق معلوم للسائل والمحروم، ويكون فيه زكاة، وعدم إسراف، ويكون فيه ورع وزهد، نجد المضاربات والاحتكار، وتدمير الإنتاج بالدول الغير المصنعة، والإسراف والتبدير والمديونية والمحسوبية والتبعية.
وأدت مشكلة سوء التصرف والجور الإنساني والظلم البشري، بدريعة القدرة والمعرفة إلى كوارث حضارية ناتجة عن جهله لهذا الكون، الذي يظن أنه قادر عليه، وهو في الحقيقة لا يعرف منه أنفه. ونسوق بعض الأمثلة لنرى إلى أي حد أدى جهل الإنسان إلى ما لا يمكن تصوره من الطغيان. ولننظر إلى الواقع من خلال المعطيات، لنقف عند سنة 1992 حيث أصبحت 80 % من الخيرات الطبيعية عبر العالم تستغل من لدن 20% من السكان، وتتوج هذه الحالة المزرية بموت 25 % مليون من البشر سنويا. والسبب الرئيسي هو فرض الغرب لنظرته في التنمية، وهي نظرة خاطئة أصلا لأنها من تخمينات بشرية. ووصل هذا التوزيع الجائر في فرنسا إلى استحواد 6 % من الشعب على 50 % من الثروات والخيرات. وفي الولايات المتحدة يتوفر 5 من السكان على ما يقرب من 90 % من الثروات الوطنية.
وهناك العديد من المعطيا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الأمن الغذائي بين التقدير العلمي والتدقيق القرآني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الجمعية الخيرية الإسلامية بالحدادين :: وصفات ومجربات من الطب الأصيل-
انتقل الى: